الجيولوجيا الطبية

الكاتب : د. عبد الباسط السروجي

الأحد 25 سبتمبر 2016

لاحظ الرحالة الشهير "ماركو بولو" خلال رحلته من فينسيا إلى الصين عام 1295م أن الحيوانات المحلية أثناء رعيها في هضاب ومرتفعات العديد من الدول الأسيوية، تنتقي بفطرتها وغريزتها بعض الأنواع من النباتات والأعشاب وتتجنب البعض الآخر. أما الدواب المشابهة والآتية من مناطق أخرى فقد أكلت هذه النباتات السامة في المرتفعات الأسيوية وماتت بعد أن أُصيبت بالتسمم والانتفاخ. وقد وجد العلماء فيما بعد أن النباتات السامة التي أشار إليها "ماركو بولو" هي نباتات غنية بالسيلينيوم. وفي عام 1983م تسممت بعض حيوانات المراعي في السهول الشمالية لبعض الولايات الشمالية بالولايات المتحدة الامريكية. وبدراسة جيوكيميائية الحشائش والأعشاب بالمنطقة وُجد أن بها تركيزات مرتفعة من السيلينيوم، حيث تنمو في تربة ملوثة بعنصر السيلينيوم. وقد اشتقت هذه التربة من طبقات وصخور تابعة للعصر الكريتاسي بجبال الروكي، حيث تحتوي الصخور على تركيزات مرتفعة من عنصر السيلينيوم.

والسيلينيوم كغيره من العناصر الموجودة في صخور القشرة الأرضية كالزنك، الرصاص، الزرنيخ، الفلور، الزئبق، المغنسيوم، الليثيوم، النحاس، الكروم، النيكل، الكوبلت، الفاناديوم...وغيرها. الكثير من هذه العناصر ضروري لصحة كل من الانسان والحيوان، وبالتالي فإن نقص تركيز العنصر أو زيادته قد تسبب أمراضاً. وتتحرر العناصر من الصخور والمعادن الحاوية عليها بسقوط الأمطار أو بسريان المياه الجارية السطحية أو الجوفية عليها، لتمر في الدورة البيوجيوكيميائية من النبات الى الحيوان وتصل في نهاية المطاف إلى الانسان . وبظهور أمراض مرتبطة جغرافياً بصخور بعينها كانت الحاجة لعلم يربط بين العناصر الأرضية وصحة الانسان والحيوان.

وقد نشأ علم الجيولوجيا الطبية Medical Geology مع ملاحظة الاختلافات الإقليمية في انتشار أمراض الإنسان، موضحةً الإرتباط الجيولوجي لحدوث بعضاً من هذه الأمراض. وقد تم التعرف على أمراض مثل اضطرابات نقص اليود وعلاقتها بجيوكيمياء اليود وتوزيعه الجغرافي في التربة والماء منذ عام 1851 بواسطة الكيميائي الفرنسي شاتن Chatin. كذلك العديد من الأمراض ذات الارتباط الجغرافي، مثل تسمم الأسنان والهيكل العظمى بالفلور ، والتي لوحظ ارتباطها بشدة بالبيئة الجيولوجية. وتكون مثل هذه الأمراض أكثر وضوحاً في البلاد النامية، حيث يرتبط أعداداً كبيرة من السكان ارتباطاً وثيقاً بالتربة والبيئة المحلية، وحيث أن سلاسل الغذاء وما تحتويه من عناصر شحيحة تعتمد إلى حد كبير على جيوكيمياء الموطن. لهذا تكون الإختلافات والشاذات الجيوكيميائية الملحوظة أكثر تأثيراً على صحة السكان.

 

نشأة الجيولوجيا الطبية:

يدرس الجيولوجيا الطبية تأثير العناصر والمعادن الأرضية على صحة كل من الحيوان والإنسان. وقد تأسست الجمعية الدولية للجيولوجيا الطبية International Medical Geology association في شكلها الحالي في عام 2006م، لكنها بدأت كفكرة قبل عشر سنوات من هذا التاريخ، وكان الهدف الرئيس من تأسيسها هو زيادة الوعي بين العلماء والأطباء المتخصصين والسكان عامة على أهمية العوامل الجيولوجية للصحة والعافية. وقد اعتمد مصطلح "الجيولوجيا الطبية" في الندوة الدولية الرابعة للجيوكيمياء البيئية في عام 1997.

والمتابع لموقع الجمعية الدولية للجيولوجيا الطبية (http://www.medicalgeology.org) يلاحظ الآن العدد الكبير من الكتب المؤلفة في مجال الجيولوجيا الطبية بالاضافة الي مجلات لنشر البحوث في مجالات جيوكيمياء البيئة والصحة، بيئة الانسان، المعادن والجيوكيمياء، الأرض والصحة. إضافة إلى عدد المؤتمرات في الموضوعات ذات الصلة. ويعتبر علم الجيولوجيا الطبية من العلوم الحديثة سريعة التطور، ويُدَرس الآن في بعض الجامعات كمقرر لطلاب الطب.

 

 

تطبيقات الجيولوجيا الطبية

In contrast, Medicalيمكن تأكيد أهمية الجيولوجيا الطبية في التطبيق على صحة الإنسان والحيوان، من خلال الأمثلة الآتية:-

  1.  يُعاني أكثر من 30 مليون فرد في الصين وحدها، من تسمم الأسنان بالفلور بسبب زيادته في مياه الشرب . وهذا يوضح علاقة وطيدة بجيوكيمياء المياه الجوفية في هذا البلد، ضمن عوامل أخرى. وتتميز كثير من البلدان مثل جنوب الهند، وسريلانكا، وغانا، وتنزانيا، وغيرها من البلاد الأخرى بحالات تسمم الأسنان بالفلور، وتصل في بعض الحالات تسمم الهيكل العظمي بالفلور.
  2. يُعاني بليون فرد تقريباً (خصوصاً في الدول النامية)، من اضطرابات نقص اليود  ، الناتج عن نقص اليود في الوجبات الغذائية. وتضم هذه الأمراض تضخم الغدة الدرقية المتوطن (الجويتر)، والقماءة أو البلاهة، وتشوهات الأجنة، وغيرها من الأمراض.
  3. الزرنيخ عنصر سام ومسرطن، ويتواجد في كثير من المعادن المكونة للصخور مثل أكاسيد الحديد، والطين وخصوصاً في معادن الكبريتيدات. وعندما يصل الزرنيخ إلي المياه الجوفية بالأكسدة، وبالتالي إلى جسم الإنسان خلال مياه الشرب، قد تحدث مشاكل صحية كارثية . أمراض الجلد هي أكثر أعراض التعرض للتسمم مياه الشرب المزمن بالزرنيخ. ومن الأعراض أيضاً ما يخص الكليتين، والجهاز الهضمي، والجهاز العصبي، والدم، والقلب والأوعية الدموية، والجهاز التنفسي.
  4. يؤثر مرض لافلاريا الفيل في كثير من السكان في أثيوبيا، وكينيا، وتنزانيا، ورواندا، وبوروندي، والكاميرون، وجزر كاب فيرد. ومن المظاهر المثيرة للإهتمام، وجود التربة الطينية الحمراء كعامل مشترك بين المناطق المصابة. أوضح تحليل العقد الليمفاوية من أنسجة المرضى، وجود جزيئات دقيقة تتكون أساساً من الألومنيوم والسليكون والتيتانيوم. وقد أرُجع المرض إلي معدن متواجد في الطبقات الصخرية البركانية.

 

 

 

المراجع:

 

سليمان، مصطفى محمود (1987): علم الجيوكيمياء وتطبيقاته.-مطابع جامعة الزقازيق، 633 صفحة.

Dissanayake, C.B., Chandrajith, R. (I999): Medical geochemistry of tropical environments. Earth Science Reviews 47: 219-258.

Dissanayake, C.B., Chandrajith, R. (2009): Introduction to medical geology-focus on tropical environments- Erlangen Earth Conference Series. Springer, 297 p.